ابن أبي الحديد
130
شرح نهج البلاغة
قد هموا بإثارة الفتنة ، وقد سيرتهم إليك ، فانههم ، فإن آنست منهم رشدا فأحسن إليهم ، وارددهم إلى بلادهم . فلما قدموا على معاوية - وكانوا : الأشتر ، ومالك بن كعب الأرحبي ، والأسود بن يزيد النخعي ، وعلقمة بن قيس النخعي ، وصعصعة بن صوحان العبدي ، وغيرهم - جمعهم يوما ، وقال لهم : إنكم قوم من العرب ، ذوو أسنان وألسنة ، وقد أدركتم بالاسلام شرفا ، وغلبتم الأمم ، وحويتم مواريثهم ، وقد بلغني أنكم ذممتم قريشا ، ونقمتم على الولاة فيها ، ولولا قريش لكنتم أذلة ، إن أئمتكم لكم جنة ، فلا تفرقوا عن جنتكم ، إن أئمتكم ليصبرون لكم على الجور ، ويحتملون منكم ( 1 ) العقاب ، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم الخسف ، ولا يحمدكم على الصبر ، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم ، وبعد وفاتكم . فقال له صعصعة بن صوحان : أما قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية ، وإن غيرها من العرب لأكثر منها كان وامنع . فقال معاوية : إنك لخطيب القوم ، ولا أرى لك عقلا ، وقد عرفتكم الآن ، وعلمت أن الذي أغراكم قلة العقول . أعظم عليكم أمر الاسلام فتذكرني الجاهلية ! أخزى الله قوما عظموا أمركم ! إفقهوا عني ولا أظنكم تفقهون ، إن قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله وحده ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدها ، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا ، وأمحضهم ( 2 ) أنسابا ، وأكملهم مروءة ، ولم يمتنعوا في الجاهلية - والناس يأكل بعضهم بعضا - إلا بالله ، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم . هل تعرفون عربا أو عجما ، أو سودا أو حمرا إلا وقد أصابهم الدهر في بلدهم وحرمهم ، إلا ما كان من قريش ، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل ، حتى أراد الله تعالى أن يستنقذ من أكرمه باتباع دينه من هوان الدنيا ، وسوء مرد الآخرة ، فارتضى لذلك خير
--> ( 1 ) كذا في أ ، ج ، وفي ب : " فيكم " . ( 2 ) يقال : عربي محض ، أي خالص النسب .